بوادر أول نواة لمحترفي التحقق من الوقائع في ليبيا!

في خضم ما تعانيه بلادهم من حرب وانقسامات، قام 16 صحفيا وصحفية طموحين من ليبيا بتحدي الصعاب وتوحيد جهودهم تحت راية أهم مبادئ الصحافة: الكشف عن الحقائق. حيث شاركوا في دورة تدريبية نظمتها أكاديمية دويتشه فيله لمدة أسبوع في إطار مشروعها الممول من الاتحاد الأوروبي، وكان ذلك في مطلع شهر أكتوبر. ويُعتبر هذا التدريب الأول من نوعه الذي يشارك فيه صحفيون ليبيون والذي يمثل خطوة نحو تشكيل أول نواة لمحترفي التحقق من الوقائع في البلاد. ولم يكن المسار بالسهل، حيث وجد بعض المتدربين صعوبة في استخدام بعض من الأدوات الرقمية حيث أنهم اعتادوا على الأدوات التقليدية التي تسُتخدم عادة في التحقق من الوقائع. كما استعصى على البعض البقاء على نفس المسافة من كل الأطراف والمناطق وتركيز انتباههم على أمر واحد فقط: التحقق من الوقائع!

وكان الهدف الأساسي من ورشة العمل بلورة منهجية واضحة للتحقق من الوقائع انطلاقا من تقييم مصداقية وسائل الإعلام ثم تقييم مدى موثوقية المصادر للقيام في نهاية المطاف بالتحقق من صحة الادعاءات التي تهم الليبيين وتعنيهم.

وكما ورد على لسان أحد المشاركين “مكنتني هذه الدورة التدريبية من التفكير على نحو مُهيكل أكثر واستنادا إلى منهجية أوضح”. ومن بين أهم العوامل الأساسية التي تضمن النجاح في أي عملية للتحقق من الوقائع الاتساق في التعامل مع الادعاءات التي سيقع التحقق منها، وهذا ما تم التأكيد عليه مرارا وتكرارا.

ومن بين الجوانب الأساسية الأخرى لورشة العمل تنمية الحس النقدي وعدم التسليم مباشرة بصحة ما يعترضهم على الشبكة الإلكترونية إذا لم يقترن بالمصادر المناسبة. وللأسف، يُمكن اعتبار العديد من الادعاءات الجديدة التي تظهر في ليبيا نوعا من المعلومات الكاذبة لكونها تهدف بوضوح إلى تضليل الرأي العام بدل إنارته.

ويُعتبر القيام بأول مهمة للتحقق من الوقائع في ليبيا عملا هائلا لخدمة قضية نبيلة، إلا أن هذا المسار يبقى محفوفا بالتحديات. وقد أدرك المتدربون منذ البدء كمية الجهد الذي تتطلبه هذه المهمة حيث أمضوا ساعات وساعات يتحققون من صور ومقاطع فيديو في أحد تمارين الورشة. حتى أن البعض منهم ظل يعمل طوال الليل لإنجاز التمرين. وقال أحد الصحفيين المخضرمين الذين شاركوا في التدريب: “لم أتوقع أن يكون الأمر بهذه الصعوبة. لقد أدركت من خلال هذا التمرين أنه لا يزال أمامي الكثير لأتعلمه.”

وتستوجب مجموعة المهارات العالية اللازمة لاحتراف التحقق من الوقائع إتباع التدريب الذي نُظم على عين المكان في تونس بأسبوعين من التدريب عن بعد يتلقى خلالهما المشاركون تمارين واختبارات ويشاركون في نقاشات ضمن درس عن بعد. وحال اكتمال هذين الأسبوعين، يعود المشاركون إلى تونس ليقضوا أسبوعا تدريبيا أخيرا في تونس يستعرضون خلاله تجاربهم ويطبقون ما تعلموه ضمن مجموعات فرعية من خلال محاكاة الأوضاع الحقيقية التي يعمل فيها محترفو التحقق من الوقائع. وسيكون ذلك أول اختبار لقدرتهم على العمل معا ضمن روح الفريق.

ويتطلع منظمو هذه الورشة والمدربون لرؤية ثمار هذا العمل على أمل أن يتمخض عن نواة نموذجية تحقق النجاح ليس فقط في ليبيا ولكن أيضا تكون نموذجا يحتذى به في المنطقة وفي العالم.