من تونس إلى ليبيا: صحفيات من أجل بناء السلام

من داخل غرفة الحجر الصحّي بأحد نزل العاصمة تونس، جلست أمام كاميرا الحاسوب في ورشة عبر الإنترنت لصحفيات تونسيات وليبيات بمناسبة “منتدى الإعلام والنوع الاجتماعي في قرار المرأة والأمن والسلام: دور الصحفيات في الإعلام وتعزيز السلام” المنظم من قبل هيئة الامم المتحدة للمرأة  بالشراكة مع أكاديمية دويتشه فيله وذلك في إطار مشروعها الجاري الممول من الاتحاد الأوروبي “الإعلام في ليبيا – الاستقرار من خلال المصالحة ” ، وكانت مهمّتي تسيير إحدى الورشات التي تنظّمها أكاديمية دويتشه فيله بعنوان “دور الإعلام في عمليات بناء السلام من منظور النوع الاجتماعي وتشارك فيها ثلّة من الصحفيات التونسيات والليبيات.

وكما هو الحال دائما بالنسبة للورشات الافتراضية، كان الرهان أن نجعل ورشة من ثلاثة ساعات كافية لطرح موضوع بهذه الأهمية وأن نخرج جميعا بجملة توصيات قابلة للتنفيذ في السياقين التونسي والليبي. كان التحدّي كبيرا، لكنّ حماس الصحفيات المشاركات وثراء تجاربهنّ جعلا من عمر الورشة فسحة واسعة من النقاشات الثرية.

تمحورت ورشتنا حول ثلاثة نقاط أساسية: أخلاقيات المهنة الصحفية، صحافة السلام، ودور الصحفيات في عمليات بناء السلام. وقد استهلّها الخبير وليد الدرديري ببعض الملاحظات الافتتاحية التي وضعت الورشة في سياقها العامّ من حيث تزامنها مع مرور 20 عاما على اتّخاذ مجلس الأمن القرار 1325. هذا القرار الذي أقرّ لأوّل مرّة بأهمية مشاركة المرأة الكاملة والمتساوية والهادفة في حلّ النزاعات والحاجة إلى زيادة مشاركة المرأة في صنع السلام والقرار على جميع المستويات وفي سياقي عمليات بناء السلام والعدالة الانتقالية.

وفي السياق الليبي تحديدا، قال الخبير وليد درديري أن دور الصحفيات يجب أن يكون محوريا في عملية المصالحة وبناء السلام في ليبيا، لكن لا يمكن تحقق المصالحة وبناء السلام أساسا، إلا بالالتزام التام بمعايير أخلاقيات الصحافة، وصحافة السلام، وكذلك مكافحة الاستقطاب، وانتشار الأخبار الكاذبة، وخطاب الكراهية، بحيث تكون غاية الصحفيات والصحفيين الليبيين كما قالت “أنابيل مكجولدريك” في كتابها “صحافة السلام”، هي “كيفية أن يكون الصحفيون والصحفيات جزءا من الحل، وليسوا جزءا من المشكلة”.

ثمّ كان النقاش. تحدّثنا مع المشاركات وسمعنا منهنّ عن مفهوم أخلاقيات الإعلام والصحافة. واستعرضنا آراءهنّ حول أخلاقيات الإعلام التقليدي وأخلاقيات النشر على منصّات التواصل الاجتماعي.

طرحنا أسئلة عديدة في هذا السياق. تنوعت الأجوبة لكن أغلبها ارتكز أساسا على ضرورة التحلّي بالمصداقية والتحقق من الوقائع واحترام حقوق الإنسان وعدم بث خطاب الكراهية .

المستوى الثاني من النقاش كان حول تجارب الصحفيات في تغطية مواضيع حساسة، إذ أشارت الصحفيات المشاركات إلى تجاربهنّ الشخصية في التعرّض إلى المضايقات والهجمات على مواقع التواصل الاجتماعي لدى تغطية مواضيع اجتماعية تعدّ من “المحرّمات” أو قضايا سياسية ساخنة.

كما استعرض النقاش دور الهيئات والمؤسسات التي ترصد إخلال الإعلام بأخلاقيات المهنة. ما هو دور هذه المؤسسات وهل أن وجودها ضروري؟ سؤال حاولت المشاركات الإجابة عنه خاصّة من خلال استعراض التجربة التونسية باعتبار وجود الهيئة العليا المستقلّة للاتصال السمعي البصري (هايكا) و دورها في تعديل المشهد الإعلامي, محطّة خلصت منها عضوات الورشة إلى ضرورة وجود هذه المؤسسات التعديلية في السياقين التونسي والليبي، وأهمية تدريب الإعلاميين والإعلاميات على احترام أخلاقيات المهنة وعدم الاقتصار على العقوبات المالية للمؤسسات الإعلامية في حال عدم احترامها لهذه القواعد.

نقطة أخرى شملها نقاشنا ضمن الورشة، وهي انطباعات الصحفيات أنفسهنّ عن الدور الموكل إليهنّ في بناء السلام في البلدان التي تشهد صراعات. ما فتح المجال إلى الانتقال إلى السؤال المركزي: كيف تكون المرأة الصحفية جزء من الحلّ وليس المشكلة؟ وما هو دورها في عمليات بناء السلام؟

يدور هذا السؤال ضمن دائرة مفاهيم واسعة تلتقي فيها مصطلحات من قبيل “صحافة السلام” و”الصحافة الحساسة للنزاعات” و”صحافة الحرب” و”البروباغندا”.

وقد اخترنا في الورشة أن نقارب هذه الإشكالية وفق ثنائية “صحافة السلام” مقابل “صحافة الحرب”.

المشاركات اتفقن على أنّ أهم قواعد صحافة السلام هي أن تنتقل الصحفية من ناقلة للوقائع والأخبار إلى فاعل في الأحداث. وهنا نتحدث عن الفعل في بناء السلام تحديدا عبر البحث عن نقاط الالتقاء بين مختلف الفرقاء لا نقاط الاختلاف، والابتعاد عن البروباغندا أو الدعاية لطرف معيّن باعتبار أن الصحفية الداعية إلى الحرب تحرّض على التقسيم والتفرقة.

كما أفادت الصحفيات بأنّ عملهنّ يجب أن ينأى عن نشر الأخبار الكاذبة والترويج لخطاب الكراهية وأن يكون مسؤولا في اختيار الألفاظ والمصطلحات في المواضيع الحساسة وملتزما تجاه حقوق الإنسان.

مداخلات أخرى قدّمتها المشاركات وشملها النقاش ضمن هذا السياق، تعلّقت بضرورة ألاّ تعتمد الصحفية على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر للأخبار وإنما أن تتعامل معها على أنها مصدر للمعلومات التي يجب التحقق منها لتصحيحها, تأكيدها أو نفي صحّتها.

وبالتعمّق ضمن هذا المحور، استعرضت الورشة نماذج لزوايا ومواضيع يمكن للصحفية العمل عليها في زمن الصراعات حتى لا يكون العمل كلّه منصبّا فقط على الأخبار والتصريحات المتعلّقة بالحرب، ومن بينها أثر الحرب على التعليم والصحة والوضع الاقتصادي والاجتماعي لإظهار ما للحرب من تبعات سيئة وكارثية على النسيج الوطني. وأنّها ليست مسألة ربح أو خسارة بين هذا الطرف أو ذاك.

الكاتب: أمل مكي