تأملات في مسيرة “التحقق من الوقائع” في ليبيا

لضمان موثوقية وصحة المعلومات

في شهر أكتوبر 2019، أطلق مشروع أكاديمية دويتشه فيله المُمول من الاتحاد الأوروبي بعنوان “الإعلام في ليبيا – الاستقرار من خلال المصالحة” برنامجا واعدا يرمي إلى مساعدة الصحفيين الليبيين على تعزيز قدرتهم على التعرف على الأخبار الكاذبة والتحقق من الادعاءات وتقييم مصداقية المصادر ووسائل الإعلام. ويهدف المشروع بذلك إلى الحد من التوترات وإرساء مناخ سلمي في ليبيا عن طريق تقليص حجم الأخبار المُضللة والإشاعات والدعايات والحد من تأثيرها بعد أن زاد رواجها خلال السنوات الأخيرة جراء النزاعات. وأصبح دور المتحققين من الوقائع أكثر أهمية مع انتشار فيروس كورونا (COVID-19) في ظل ما تسببت به هذه الجائحة من انتشار دفعات إضافية من الأخبار الكاذبة بالآلاف.

وبعد مرور ستة أشهر على انطلاق أول دورة تدريبية في هذا الصدد، ارتأينا أن نعاين هذه التجربة عن كثب ونشارك بعض الجوانب الإيجابية التي آتت أكلها اليوم. بادئ ذي بدء، أشار بعض المتدربين إلى أن التدريب قد شكل منعطفا حاسما في مسارهم المهني، ولا يشمل ذلك القدرات والمهارات التي اكتسبوها من خلاله فحسب، ولكن أيضا من حيث فهمهم لأهمية الإلمام بالمجال الإعلامي والاهتمام بعالم التحقق من الوقائع. ورأوا أن ذلك يعود عموما إلى أن التدريب لم يقتصر فقط على الأمور الفنية بل استند إلى مقاربة متعددة الأبعاد حرصا على تحفيز المتدربين ومساعدتهم على استيعاب الدور الإيجابي الذي يُمكن أن يضطلعوا به في ليبيا إذا ما استغلوا مهاراتهم على أرض الواقع.

واكتسب المتدربون مهارات فنية جوهرية مثل البحث العكسي عن مصادر الصور باستخدام أدوات على غرار TinEye لتحديد المرة الأولى التي نُشرت فيها صورة ما على الإنترنت، أو التعرف على مُسجل موقع ما عن طريق خدمة WHOIS التابعة لشركة ICANN , واكتسبوا أيضا مهارات أخرى على نفس القدر من الأهمية، تقضي تحديدا بتبني منظور نقدي قائم على الشك وتحدي أنفسهم لضمان عدم تدخل آرائهم الشخصية ومعتقداتهم في حُكمهم على محتوى ما يقرؤونه على شبكة الإنترنت. ومكنهم ذلك من التحلي بالثقة اللازمة لمساءلة المصادر التي لا تقدم أدلة كافية لتدعيم ادعاءاتها، وهي ممارسة نادرا ما كانوا يقومون بها سابقا.

وإذا ما نظرنا في النتائج، يجب ألا نغفل عن مدى تأثير مشروع كهذا على المتدربين أنفسهم بالإضافة إلى تأثيره على البلاد ككل. فقد رأى عدة متدربين أن المعايير الواضحة التي عُرضت عليهم خلال التدريب قد ساعدتهم على البحث على الإنترنت بشكل منهجي وذو هيكلية أوضح. ومكنهم ذلك من تعزيز ثقتهم بتقييمهم لصحة الادعاءات وموثوقية المصادر ومصداقية وسائل الإعلام قيد النظر. بعبارة أخرى، نجح التدريب في جمع مختلف قطع فسيفساء ‘التحقق من الوقائع’ ليرسم بذلك صورة متناسقة ومتكاملة في أذهانهم عنه باستخدام الأساليب المناسبة والمستدامة على المدى البعيد.

ومما ميز هذه الرحلة بشكل خاص تفطن المتدربين إلى أنه على الرغم من اختلاف خلفياتهم وانتماءاتهم فإن بينهم قاسما مشتركا، وهو الرغبة الخالصة في الوصول إلى الحقيقة عن طريق التحقق من الادعاءات على نحو منهجي وموضوعي بصرف النظر عن المصدر. وفي هذا العصر الرقمي الذي نعيش فيه، توجد طرق مختلفة للتحقق من صحة الادعاءات باستخدام مختلف الأدوات الرقمية التي تقطع الطريق أمام تدخل الآراء الشخصية وأشكال التحيّز.

ومن ثمار هذا التدريب ظهور علاقات تعاون بين المتدربين بعد انتهاء الدورة. حيث التزموا باتباع الطرق والأساليب المنهجية للتحقق من مختلف الادعاءات والعمل على نحو يكمل أحدهما الآخر في ظل التحلي بروح الفريق.

وحين أردنا تقصي ثمار جهود التحقق من الوقائع في ليبيا على وسائل التواصل الاجتماعي، اكتشفنا ظهور عدة صفحات على موقع فيسبوك، تركز في أغلبها على الأخبار الكاذبة المتعلقة بفيروس كورونا. ولا يمكن الجزم بعد أي منها ستنجح في مهمتها وأي منها ستفشل. ولكن رؤية الصحفيين وقد ضاقوا ذرعا بالمعلومات الكاذبة التي تعترضهم ويعملون جاهدين لتصحيح المصادر هو مؤشر إيجابي ولا شك يُبشر بتغير في طريقة التفكير وتنامي الوعي بضرورة تصحيح مسار الصحافة لتستعيد مبادئها مجددا.

ويحدونا الفخر في أكاديمية دويتشه فيله بأن كان لنا دور في تحقيق ذلك وفي حث الصحفيين الليبيين الذين استفادوا من الدورة ليستغلوا ما تعلموه خلالها وليتشاطروا معارفهم المكتسبة مع الآخرين من أجل التأثير إيجابيا وعلى نحو مستدام في المجتمع ككل.

الكاتب: د.وليد السقاف